عبد الملك الجويني

504

نهاية المطلب في دراية المذهب

الإسلام تنزل منزلة الابن الكبير في الذمة ، فإن الذمّي لا يستتبع بنيه في الذمة ، بل إن أرادوا العصمة ، فليقبلوا الجزية بأنفسهم . فلما تُصوّر استقلالهم لم يتبعوا في الجزية ، والبنت في الاستقلال بالإسلام كالابن ، وهذا وإن أطلناه ، فهو بينٌ عند الفقيه ، لكنا نرى ألاّ نُغفل في تمهيد الأصول جليَّاً ولا خفيّاً . 11396 - ولو بدت تباشير الفتح في القلعة التي حاصرناها ، فمن أسلم قبل حقيقة الفتح ، عصم نفسه وماله ، وتعدّت العصمة إلى صغار أولاده ، من حيث يلحقهم الإسلام على جهة التبعية . واحتج الشافعي في ذلك بقصة ابني سَعْية ( 1 ) ، كانا من بني قريظة ، فخرجا مسلمين لما حاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فعصما بإسلامهما أموالهما وصغار أولادهما ، وابنا سَعْية هما : ثعلبة وأُسيد ، وسبب إسلامهما معروف ( 2 ) . ولو كان الذي أسلم زوجَةً حربية ، فقد قدمنا الخلاف في أن زوجة المسلم هل تُسبى ؟ فذلك الخلاف يعود ، ولو كان للذي أسلم ولدٌ مجتنّ في بطن حربية ، فإن كانت زوجتَه ، فقد مضى الكلام فيها ، وإن لم يكن عليها زوجية ، فهي مسبية مسترقة ، والجنين الذي في بطنها ، لا يرق ، من جهة أن الإسلام لحقه ، وهو موصوف بالإسلام ، فلا يلحقه السبي والرق ، كالمولود المنفصل . وخالف أبو حنيفة ( 3 ) في مسائل مما ذكرناه منها : أنه قال : من أسلم ، فماله المنقول لا يغنم ، وعقاره يغنم . وقال : لو اشترى مسلمٌ دخل دار الحرب عقاراً ، فهو مغنوم ، وإن كان مِلكَ المسلم . والجنينُ في بطن الأم يلحقه الرّق عنده إذا سبيت الأم .

--> ( 1 ) سَعْية : بفتح السين وسكون العين ، وقيل بضمها ، وهو تحريف ، وقيل بالنون بدل الياء المفتوحة ، قاله الحافظ في تنبيهاته في التلخيص . ( 2 ) الحديث رواه البيهقي في قصة طويلة ( ر . السنن الكبرى : 9 / 114 ، وانظر التلخيص : 4 / 206 ح 2250 ) وراجع الإصابة : 1 / 33 ، 49 وفيه : أُسيد كما ذكره الإمام ، وقال : " بضم الهمزة ، وقيل بفتحها ، وقيل أسد " أي بدون ياء كما في التلخيص . ( 3 ) ر . مختصر الطحاوي : 289 ، 290 ، فتح القدير : 5 / 231 ، 232 ، تبيين الحقائق : 3 / 253 ، ملتقى الأبحر : 1 / 645 .